موقع الألم في فلسفة الحضارة

يكتسي الألم معنًى إيجابيًّا قبالة اللذّة، أو السعادة، التي تنطويان، فيما تنطويان عليه، على معنًى سلبيّ. يولّد الألم الأوّل في النفس حافزًا، كما يشكّل مثارًا للعقل لإعمال الفكر والبحث، فيما اللذّة تبعث على التواكل والاستكانة. والألم أصناف، إمّا ألم مادّيّ، أو معنويّ، أو معرفيّ. تشكّل صبغات الألم هذه، جميعًا، عوامل فاعلة في بناء الحضارة، وهي عوامل لا فكاك ولا انفصال فيها، بحيث يصعب عزل تأثير كلّ منها في الآخر.

عبد الرحمن بدوي والاتّجاه الوجوديّ

تعتبر الوجوديّة مدرسةً فكريّةً هامّةً شغلت الساحة الثقافيّة والفكريّة لفترة زمنيّة، وكان لها ممثّلوها ومنظّروها ومجلّاتها. إذ حاولت أن تقدّم نفسها بديلًا فكريًّا ملائمًا للمجتمعات العربيّة الإسلاميّة. سيقدّم هذا البحث قراءةً نقديّةً لهذا المشروع عبر أبرز ممثّليه، وهو عبد الرحمن بدوي. لم يكن هذا الاختيار، في الواقع، عبثيًّا، إنّما انطلق من خصوصيّة هذه الشخصيّة التي عملت على تسويغ المشروع في إطار إسلاميّ عبر إيجاد أصول فكريّة إسلاميّة له، تقدّم الدعامة المرجعيّة والتراثيّة له، ما جعله مقبولًا خارج الحاضنة التي ولد فيها. هذا فضلًا عن تقديمها الكثير من الأفكار التي ميّزته عن الوجوديّة الغربيّة، ما جعله فيلسوفًا له مساحة من التمايز والخصوصيّة يستطيع هذا البحث أن يبني عليها، ليتكلّم عن مشروع فكريّ له خصائصه، ورؤيته، ومواقفه المتميّزة.