عرش الروح وإنسان الدهر

القلب حقيقة سيّالة، يصعب استقرارها على حال، إذ تتبدّل حسب مظاهر الشؤون الإلهيّة، فتبقى في تتالي من الحركة في الأعراض السلوكيّة الكاشفة عن حركة في جوهر المعنى الإنسانيّ، أي اللبّ. وفعّاليّة القلب هذه هي التي تولّد هويّة الإنسان، لأنّها تمثّل الطبيعة التي تشكّلت لديه بفعل تأمّلات الذات، واستطالات الفؤاد المعرفيّة، وتبصّرات القلب في الواقع. فالقلب له وجه نحو البدن (الطين)، ووجه نحو المعنى الكلّيّ للنفس الناطقة، ووجه نحو الفرد بهويّته الشخصيّة، ووجه متّصل بنور الله. أمّا الإنسان الدهريّ فهو صاحب القلب البرزخيّ، الجامع بين الروح والطين، وصاحب الرؤية التوحيديّة، الممتلك نعمة المعرفة الفطريّة والتكليف الإلهيّ.

The heart (al-qalb) is a fluid reality, changing in accordance with the appearance of Divine Manifestations. The flux it entertains, in terms of behavioral accidents, discloses the very movement of the essence of human meaning (al-lubb). The action of the heart is what generates the human identity, for it represents the human nature that was constituted through (1) the meditations of the self, (2) the epistemic extrapolations of the “intelligent heart” (al-fuʾād), and (3) the insights, into reality, of the heart itself. The heart, moreover, is multi-faceted: one of its faces turns towards the body (the clay), another towards the universal meaning of the rational soul, a third towards the individuated personal identity, and still another face associates with the light of God. In the man of perpetuity, these faces come to an intricate balance, for he is the possessor of an isthmic (barzakhī) heart which combines the spirit with the clay; it is this heart which entitles him to the tawḥidī vision, and to the gifts of fiṭrī knowledge and Divine trust.

الوحي من منظور إلهيّات المعرفة

غيّبت القراءة التقليديّة للوحي الإنسان، فانهمكت بماهيّته وبخصائصة المنطقيّة، في حين استحضرت القراءة الحداثويّة الإنسان كبديل عن المصدر الإلهيّ للوحي، فلم تر موضوعيّةً لوحي يجيء الذات من خارجها، بل الوحي، عندها، مجرّد عصارة عبقريّة الذات المؤمنة التي تروم المطلق. هذا في حين تقرّ “إلهيّات المعرفة”بمرجعيّة المعرفة الإنسانيّة، بل حتّى معياريّتهاإذا ما رجعنا إلى حيثيّة الانتساب الإلهيّ في الإنسان، وتُميّز، في سياق متّصل، بين (1) الوحي بمعناه التكوينيّ الذي يتشابك وما جُبل في فطرة الإنسان والكائنات، و(2) الوحي بمعناه النبويّ، وإن اندرجا كلاهما في فعاليّات نظام الهداية الذي أرساه الله في حياة الكائنات. وإذ يصل الوحي بمعناه الأوّل، أي الوحي المندرج في مفاعليل “كن”، إلى غاية اكتمالاته عند النبيّ، فإنّ النبيّ عندها يصير موردًا للوحي بمعناه الثاني، ويصير أهلًا لخطاب “اقرأ”، الذي يتمظهر في مرجعيّة عليا وهي النصّ.

The traditional understanding of Revelation was rather too absorbed with what constitutes revelation – in logical terms – to be inclusive of man. The modernist understanding, on the other hand, brought Man to center stage as a substitute to the Divine source of revelation. This second reading does not admit the revelation befalling the self from without any objective reality. Revelation is, rather, the ingenuitive outcome of a faithful Self yearning for the Absolute. As per the “Meta-theology of Knowledge,” however, the centrality, even normativity, of human knowledge is acknowledged only when the divine origin of man’s being is recognized. In due context, a distinction is made between two aspects of revelation:  (1) the creational, and (2) the prophetic. The distinction does not render irrelevant the fact that both aspects belong to the very system of guidance that God instilled in the life of beings. Revelation in the first sense, that is to say revelation in accordance with the imperative “Be,”[1] reaches its fullest in prophets; it is then that prophets become an instance for revelation in its second sense, and are fit to receive the Almighty’s address, “Read,”[2] which, consequently, takes form in scripture as an ultimate authority.

[1] See, Sūrat al-Baqarah (The Heifer), 2, v. 117; Sūrat ʾĀl ʿImrān (Family of ʿImrān), 3, v. 47, 59; Sūrat al-ʾAnʿām (Cattle), 6, v. 73; Sūrat an-Nal (The Bees), 16, v. 40; Sūrat Ghāfir (The Forgiver), 40, v. 68; Sūrat Maryam (Mary), 19, v. 35; Sūrat Yā Sīn (Yā Sīn), 36, v. 82.

[2] See, Sūrat al-ʿAlaq (the Clinging Mass), 96, v. 1.

إفتتاحية العدد 24

افتتاحية العدد 24

افتتاحيّة العدد

نوعان من نفحات الروح يغمران حياة المعتقِد بأيّ ديانة، وكلاهما يسمّى بالإيمان.

النوع الأوّل، هو ذاك الذي يخرج من عمق الذات المستسرّة فيها روحُ الحبّ، وانجذاب العشق نحو الكامل. إنّه الأمانة التي أودعها الله فينا، وجعلها مهماز العودة إليه كلّما ران على القلب ما يُبعد عن الربّ.

أمانة الإيمان هنا، نوع من صفاء سماويّ يحوم حول القلوب والأنفس، ينتظر القبول منّا ليضع ترحاله فينا، وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها. قد نمتلك قرار قبولها، لكنّنا لا نمتلك قرار قتلها، لأنّ حياة هذا النوع من الإيمان الفطريّ مجبولة في أصل خلقة كلّ منّا.

بناءً عليه، فإنّ أيّ تحدّ للنوع الإيمانيّ هو بحقيقة الأمر تحدّ للذات، بل حرب للذات على الذات. إنّه أن تقول لنفسك لن أكون على إنسانيّتي، على مشاركتي لمن هم أقراني من الخلائق، على وصالي بين الجسد المنتمي إلى طين الأرض والروح المتسامي في سماء القيم والأخلاق والحقّ والواجب والرحمة والحبّ.

هذا النوع من الإيمان، هو تمام قصّة الإنسان في أصل وجوده، وفي مساره نحو المصير الأخير الذي قضاه الله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾[1].

لذا، فإنّ أيّ معتقِد ومن أيّ ديانة كان، هو عضو حقيقيّ في محفل هذا الإيمان الروحيّ المنبثق من سماء السؤدد والسرمد.

النوع الثاني، هو إيمان يُفشي سرّه في الموضوع الإيمانيّ بكلمة وحي، أو حكمة إلهام، أو مقرّرات معتقد. ويمرّ مثل هذا الإيمان الموضوعيّ بمراحل من التأسيس الذي تكون فيه روح الإيمان موصولةً بموضوعه ولغته المنطوقة من المؤسّس (النبيّ، الرسول، الممثّل للروح، الـمُلهم أو غيرهم). لذا، تنفتح لغة الإيمان على الروح بشكل قدسيّ يبقى محفوظًا في الذاكرة، وفي الوجدان الدينيّ، وفي الأمثولة والقصّة والعبرة. ثمّ يمرّ بمراحل من التقنين التي تقوم بدور الدفاع المستميت عن الذات عبر جعل الموضوع حضن الروح، بحيث يتمّ تصوير الروح الإيمانيّ وكأنّها تلك الكلمات أو المقرّرات، حتّى ندخل رويدًا رويدًا في عصر التأويل والتفسير، فتنبني المدارس والمذاهب والطوائف، ويفرح كلّ حزب بما لديه، ولو على حساب نفي الآخر أو تصفيته.

وهنا، يتحوّل الناس إلى ما يشبه الجماعات التي تعبد الله على حرف من الفهم والنكران لكلّ القيم الإنسانيّة المنبنية على وحدة إيمان الروح.

ومن المعلوم، أنّ من خاصّيّة الروح الحياة ورفض الموت، بل التغلّب على الموت بالموت. لذا، تطلع تباشير الإيمان الروحيّ عند منعطفات حسّاسة من الزمن لتعمل على استعادة القيم والمعنويات التي أضاعها الناس بما كسبت أيديهم، لتوجّه القلوب نحو المعبود مجدّدًا، ولتثأر لإنسانيّة الإنسان وإيمانه الروحيّ، فتدفع نحو بناءات من الأعمال الصالحات البانية لجسور المحبّة والعيش والعدالة والعزّة.

من هنا، فإن كان لكلّ منّا خصوصيّة الموضوع الإيمانيّ، فإنّ روح الإيمان هو لنا جميعًا. فلا ينبغي أن نجعل الله عُرضةً لما قسّمناه، لأنّه فوق الجميع ومع الجميع وقبل الجميع، وكلّ ما سواه هالك، ولا يبقى إلّا وجهه، وجه الرحمة التي تؤلّف بين الناس، ولو في ذاك المشهد العظيم الذي أسمته الأديان بيوم الدين.

يبقى أن نسأل: كيف نميّز بين جماعة دينيّة وأخرى، في اجتماع روح الإيمان فيها مع موضوع الإيمان، إذا كان الجميع يدّعي الوصال بين الأمرين واكتمال الصنفين عنده؟

وهنا، اسمحوا لي أن أعرض قناعتي الخاصّة بهذا الشأن. فأنا أعتقد أنّ الدين، أو الكلام، أو الوحي الإلهيّ لم يأتِ لخدمة الله، أو لمصالح خاصّة بالله. فالله مستغنٍ عن الخلق كلّه، والقرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[2]. فمحور الخطاب الدينيّ، ومغزى مقصد الغايات والأهداف والقيم الدينيّة هو الإنسان. من أجل الإنسان تمّت كلمة الله بالنعم والحقّ والخير والعدل، ولا يوجد في ميزان الله من تفاضل بين الأعراق والمذاهب والألوان، بل بالتقوى واتّباع الحقّ من جهة، وبخدمة الناس من جهة أخرى.

وفي الوارد من أحاديث، أنّ “الناس كلّهم عيال الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله”. فهل المعيار الفاصل إذًا هو مَن الأنفع للناس؟

لا بدّ أن نشير إلى أنّ الخصوصيّات المرتبطة بحياة المجتمعات لاستكشاف طرق الإيمان الروحيّ والموضوعيّ لا يمكن لنا أن نسلكها إلّا مهتدين مقتدين بالذين كانوا يُبرِؤون الأكمَه والأبرص، والذين كانوا يبلسمون جراح النفوس من المكلومين والمستضعفين، فهؤلاء كانوا أصحاب المعجزات، وما مصدر إعجازهم إلّا يد الحبّ وكلمة الرحمة التي كانت تنطلق من روح الإيمان بالواحد القادر الرحمن الرحيم نحو العباد من الناس والأمم.

بمقدار ما ننـزع من قلوبنا شرك المصالح والأهواء وكفر تصنيم الذات، بمقدار ما نوحّد الذي أراد أن يُوحّد كلّ شيء.

وهنا، ما من صورة حقيقيّة للروح في هذه الحياة الدنيا إلّا بإنشاء السلام لأهل الأرض، سلام العدل القويّ بعزّة الحقّ، والذي يأبى أن يرى الظلم ويسكت على الضيم.

فتنافس المفاضلة ليس فيما أطرح أو تطرح، لأنّ كلًّا منّا قد اعتقد وسكن لما عنده. المفاضلة هي في أن أصلك ولو قاطعتني، أن أبحث عن عزّتك ولو أخطأت في تقديري، شرط أن لا أخونك أو تمارس عليّ الخيانة. لأنّ كلّ الذنوب في توحيد الله تُغفر إلّا أن يشرك به، والظلم والخيانة بمثابة الشرك العظيم الذي يمارسه المرء في حقّ الإنسان بإنسانيّته. المفاضلة هي، أن نكون في محضر الله عند كلّ ما يخصّ الإنسان في حياته الفرديّة بالعبادة، وفي حياة الجماعة بحسن العلاقة والمعاملة، وفي حياة الأمم بسيادة الرحمة والعدل والإحسان.

صحيح أنّي لا أقدر على أن أرى كلّ الناس بنفس المستوى من مسؤوليّتي تجاههم. فمن أشبِهُهم أكثر في الدين والإيمان والأرض والانتماء هم أقرب إلى نفسي وأوجب في مسؤوليّتي، وهنا الخصوصيّة. لكن حينما يصبح الظلم مباحًا تحت عنوان الخصوصيّة، كما الكذب والبغضاء، فإنّ الخصوصيّة، هنا، لم تعد صاحبة انتماء للإيمان، إذ الإيمان أوسع منّا، وهو الحياة، بينما البغضاء موت، ومثل هذه الخصوصيّة تصبح عصبيّةً.

أنا لا يمكن لي أن أطلب من المسلم أن ينظر للمسيحيّ نظرته لبقيّة المسلمين، كما لا يمكن لي أن أطلب من المسيحيّ أن يضع المسلمين على نفس المصافّ من اهتماماته، إذ الإيمان العقديّ ومقرّراته، فضلًا عن سياقات الحياة، تمنع من ذلك. لكن لا يمكن إلّا وأن أرى في وجه كلّ مسلم أو مسيحيّ روح الإيمان الحيّ الذي يجب أن لا يموت، الذي يجب أن لا نعيش معه بخصام.

عليّ أن أسأل، بأيّ إيمانٍ يحرق الواحد منّا معبد الآخر؟ بأيّ إيمان نستبيح الكرامات ونسوّغ التهجير ونُفقد الحياة المشتركة لذّة الهناء والوئام؟ لصالح من نقطّع أوصال مجتمع بناه الأنبياء والرسل والصدّيقون والقدّيسون حجرًا حجرًا، ولبنةً لبنة؟ هل في ذلك صالح عقائدنا وإيماننا؟ أم صالح معتقدات وقناعات صاغتها يد بعض من العصبيّة الجاهليّة الممزوجة ببعض من التاريخ الأسود، والممهورة بيد أصحاب المصالح والأهواء؟

أدّعي أنّي أعرف الجواب، لكنّ القول الخيِّر هنا، تعالوا نحتكم لإيمان الروح فينا، ولنسمعها ولو لهذه المرّة.

 

مع العدد

يُقارب شفيق جرادي، في المقالة الأولى، مفردة الإيمان في حقلها الانطباعيّ العامّ، الذي يحاكي الإنسان في كلّيّته، فلا ينحصر بالبُعد العقليّ فيه؛ ويحاكي الدين في كليّته، فلا ينحصر بأبعاده العقديّة أو الشريعيّة، بل يحضر بقوّة في الأبعاد القيميّة والأخلاقيّة، كلّ ذلك عطفًا على تقريره (جرادي) الدينَ الوحيانيّ مصداقًا أمثل لحقيقة الإيمان القائم على الوصال بين الإنسان والله.

ويرى سمير خير الدين، في مقاربته القرآنيّة للإيمان، أنّ وجدان الإيمان الاعتقاديّ هو فعل إنسانيّ إراديّ. وبالتالي، فالإنسان، في بنيته الواحدة، هو محور هذه العمليّة الإيمانيّة الاعتقاديّة. أمّا كون الإيمان اختياريًّا فيكشف عن نوع من التعلّق الواعي (للإنسان) بالذات المقدّسة. وعن هذا التعلّق تصدر الفاعليّة الإنسانيّة في حراكها الفرديّ والاجتماعيّ، وفيه تنحصر إمكانيّة تعريف الإيمان مفهومًا.

ونجد في المقالة الثالثة، لحسن بدران، استقصاءً لمفردة الإيمان في أحد “الكتب الأربعة” عند الشيعة – أي مجامع الحديث التأسيسيّة الأولى – وهو كتاب الكافي للكليني. إنّ الإيمان، هنا، ناظر إلى الإنسان في “الزمن المقدّس” السابق على السيرورات والنسبيّات وتحوّلات اللحظة التي تحتكم إليها المعالجات العقديّة. وبالتالي، فالكلام في النظام العامّ للخلقة، والإيمان فيه كامن في أصل جوهر الإنسان، كما هو كامن، إذ يتصرّم الزمان، في حراك الإنسان وحياته.

أمّا في المقالة الرابعة لأحمد ماجد، فثمّة قراءة لموضوعة الإيمان في الإناسة من خلال ثلاث شخصيّات معاصرة، غيرتز وغلنر وأسد، كانت صاحبة قول فيما خصّ الإسلام وموقعه من الحداثة. وفي حين نحا غيرتز وغِلنر منحى القراءة التعميميّة التي لا ترى في الدين إلّا نسقًا ثقافيًّا رمزيًّا هو معطًى اجتماعيّ خالص، لا صلاحة لديه لتوليد المعنى، فإنّ أسد يستردّ للدين مرجعيّته وللخصوصيّات موقعها، من خلال بيان محوريّة التقليد والصراطيّة في المنظومات الإيمانيّة الاعتقاديّة. إنّ هذه المقاربة ممّا يفتح الباب أمام نقاش، من الضروريّ أن يجري في العالم الإسلاميّ عن هذه العلوم وكيفيّة حضورها فيه.

ثمّ في المقالة الخامسة لريتشارد سوينبرن استقراء للمواقف المسيحيّة الأساسيّة من الإيمان، في تمايزها على ضوء الثقل الذي توليه إحدى مقولتَي الاعتقاد أو الثقة. ومع حضور العنصر العقليّ قويًّا في كلتَي المقولتين – ما يطرح بقوّة إشكاليّة “إيمان الشياطين” – فإنّ موضوعة الخلاص تجد لها مدخلًا عريضًا، ومعها نجد تبلورًا في مقولتَي الحبّ، مع توما الأكوينيّ تحديدًا، وعمل الخير، مع لوثر تحديدًا.

وإذا كانت مسألة موضوع الإيمان – أو متعلّقه في الأدبيّات الإسلاميّة – قد برزت واضحةً في المقالات السابقة، فإنّ المقالة الأخيرة في الملفّ لكارل ياسبرز تطرق، بالفلسفة، سؤال العلاقة بين وجهَي الإيمان، الذاتيّ والموضوعيّ؛ ولا تجد، في سبيل الجواب، بدًّا من الإشارة إلى ما تكون الذات والموضوع مظهرَه، إلى المكتنف الذي فيه، من “كنفه”، تتولّد حريّة الإيمان وحياته.

ويشتمل باب “دراسات وأبحاث” على ثلاث مقالات.

يرى مهدي الحائري اليزدي، في المقالة الأولى، ضرورة معالجة السؤال “الماقبل-معرفيّ” إذا ما كان للاعتبارات الإبستمولوجيّة أن تكتسي أيّ معنًى. فمن دون هذا السؤال لا يمكن إحراز أيّ فهم لعلاقة المعرفة بمحرِزها. عليه، يقوم الحائري باستثمار أطروحة المعرفة الحضوريّة في الفلسفة الإسلاميّة، في تشريح لمقولتَي الموضوع والذات، كي ينخرط في نقاش مع الإشكالات الإبستمولوجيّة الأساسيّة في الفلسفة المعاصرة.

أمّا المقالة الثانية لإدريس هاني فتقترح مقاربة الحكمة الصدرائيّة المتعالية من باب العبرمناهجيّة، مستعرضةً موارد الاستفادة المتبادلة بين المقاربتين، وما يترتّب على هذا التلاقح من فوائد لكليهما[3].

وفي المقالة الأخيرة، يحذّر حيدر حبّ الله من صعود الاتّجاهات المناهضة للفلسفة، في الوسط الحوزويّ، بعد فترة من الإحيائيّة كان لها الأثر الطيّب على المناخ العلميّ الدينيّ. ويقوم بمعالجة عدد من الأدلّة التي تُساق لصالح مناوءة الدرس الفلسفيّ مبيّنًا اعتلالها، ومؤكّدًا على ضرورة الاستفادة من الفلسفة في مواجهة تحدّيات التجديد والمعاصرة.

أمّا في باب “حكماء”، يتقدّم محمّد تقي السبحاني بقراءة جلال الدين الرومي من خلال المقولات الأساسيّة الحاكمة على رؤيته، العقل والعلم والحبّ، مبيّنًا خصوصيّات معالجته التي جعلت منه أحد أهمّ متصوّفة الإسلام.

والحمد لله كما هو أهله

شفيق جرادي

محمود يونس

 

[1] سورة الأحزاب، الآية 62.

[2] سورة فاطر، الآية 15.

[3] انظر، في العدد السابق، باساراب نيكولسكو، “العبر مناهجيّة كإطار منهجيّ لتجاوز جدال الدين والعلم”، ترجمة هادي قبيسي.

الإيمان صبغة الله “ومن أحسن من الله صبغة”

لا بدّ، لمقاربة الإيمان نظريًّا، من (1) تعيين الحقل الانطباعيّ الخاصّ بمفردة إيمان، إذ معرفته لا تنحصر بدلالته العقليّة التصديقيّة، بل تتجاوزها إلى الدلالات القيميّة الأخلاقيّة التي تستوطن القلب، ويُعبّر عنها بالوجدان وبأصالة الجعل الفطريّ؛ (2) البحث عن مصدره، وعن شروطه – من سؤال وإرادة وفهم ووعي – التي تعايش حضور متعلّق الإيمان (الله)؛ و(3) النظر في نموذج يتمظهر فيه معنى الإيمان؛ وبما أنّ حقيقة الإيمان تكمن في الوصال بين الله والإنسان، وهو ما يمثّله الدين الوحيانيّ على أكمل وجه، فإنّ كلّ ما يرتبط بمبدإ وجودنا يصلح لأن يكون موضوع إيمان. بالتالي، الدين هو المصداق الأكمل للإيمان أو التصديق الإيمانيّ.

The theoretical approach to faith entails: (1) a delineation of the field of impressions specific to the term (faith) – thus transcending the restrictions of mental and linguistic significations towards the plentiful realm of ethical and axiological meanings resident in the heart, articulated by inmost consciousness (wijdān), and expressive of man’s original making; (2) an investigation of its source, its qualifications – question, will and awareness – wherein the presence of God, the object of faith, radiates; and (3) an examination of a model prototypical of the meaning of faith. By way of the said approach, the truth of faith comes to be depicted as inhering in the intimate communion between God and man, a communion best represented by religion; the object of faith would be all that relates to the principle of our existence; and revealed religion is acknowledged as one most perfect instance of faith.

حكمة المعاد ومنافذ المصير

أقصى بعض المشتغلين في المعارف الدينية، بتأثير من التأويل المِتافيزيقي، أهمّية الجسد وعلم الطبيعة، ما حرم المعرفة الدينية من مواءمة بين عالمي البدن والروح، وجعل نظريّة الانخلاع (عن الفطرة الأولى) شرطاً أساساً لفهم مباحث المعاد. بيد أنّ النظرة إلى الدنيا بما هي شأن من شؤون الآخرة، ومعلمٌ من معالم القدرة الإلهية في الخلائق، ومستودع بذور الوجود المصيرية على أساس من خيارات المعرفة والإرادة، يبيحُ لنا فهماً أعمق للشريعة، وللمعرفة المعادية التجاوزية، في مصالحة بين الروح والبدن عنوانها النور المنبلج بين طيّات الطين، وفي دفعٍ نحو قيم الآخرة يربط الإنسان بالأرض التي استُخلف عليها.

الزمن وعودة الأبدية

تحميل البحث: الزمن وعودة الأبدية

تأثّر مبحثُ الزمن بالكوجيتو الديكارتي (الذي جعل الذات في قِبال الخارج)، وبالفصل الكانتيّ بين الزمن الطبيعيّ والزمن ببُعده الإدراكي والإنسانيّ المعيش، ما أدّى إلى إقصاء الواقع في أوّلية الإدراك التأويلي مع هُسرل، وتنحية الإيمان والأبدية في منهج هايدغر القائم على محوريّة كينونة الذات – هنا. أمّا بحسب الأطروحة التدبّرية الإسلامية، فإنّ للزمن السيّال والمتجدّد في وجوده الخارجي واقعية، كما للزمن الأنفسيّ في وجوده الجمْعي في الذهن واقعيّتُه. ولئن كان للنفس المترقّية في مدارج الوجود قيّوميتها على الزمن الخارجي بما هو وجودٌ ضعيف، فلِسَعي الأخير نحو الوجود الفعلي الذي لا يجد له علاجاً إلّا من خلال الأبدية.

The study of time has been affected by the Cartesian Cogito (which opposed the self to reality), and by the Kantian separation between natural time and time in its cognitive and lived sense. This brought about the alienation of reality in Husserl’s primacy of perceptual interpretation, and the alienation of faith and eternity in Heidegger’s method based on the primacy of Sein. As with the Islamic deliberation thesis, the flowing and

renewable time is real in its external existence, as does psychological time has reality in the mind, in its collective existence. If the soul, progressing in the path of existential perfection, has a headship on external time inasmuch as it is a weak existence, then it is because external time seeks its actual existence which cannot find its cure but by way of eternity.

الدين، الفلسفة، والسؤال المهاجر

تحميل البحث: الدين، الفلسفة، والسؤال المهاجر

ينبع السؤال من روح الفلسفة والدين دون نظمهما والهيئات، وإن كان له في أصل الإنسانِ أصلٌ وفي فطرته محلّ. وهو مثار الدهشة المواكِبة للرحلة الدينيّة والفلسفيّة، وهو الذي يرتحل عن الذات فيهجر محلّ تساميه ليتجلّى في المفهوم ويحايث الزمن ويستحكم بالواقع، ويتّحد معه متقلِّباً بين جاذبيّة الشوق والرحمة والمحبّة وهيام الطلب والاستغراق في الألم ومندفعاً، أبداً، نحو الأكمل. ومن حيث ما انطلق، فهو يولِّد الدهشة ويقبض على المعنى فيستولد سؤالاً آخر ويستمرَّ في هجرته – إلا إذا توقّف عند نقطة الانطلاق وتقوقع على الذات.

          يجادلُ الكاتب ههنا بأنّنا، باستعادة روح السؤال، نعيد تحديد قِيَمِنا ورؤانا الفلسفيّة واعتقاداتنا الاجتهاديّة ونظرتنا إلى المسائل الأساسيّة.

Questions issue, not from religious and philosophical constructs, rather out of their spirit, even if they [questions] have, in man’s primordial nature, deep roots and inherent standing. Questions, again, are the source of the fascination which escorts the religious and philosophical journey, when they emigrate from the self and abandon their point of transcendence to be manifested in the concept, to be immanent in time, to seize control of reality and to merge with it while shifting between the nostalgia of yearning, mercy and love, and the passion of request and envelopment in pain. Questions always long for the most perfect. Yet, no matter where the starting point was, questions always grasp the Meaning and generate fascination, thus engendering new questions and resuming emigration – save when they stop at the start point and stagnate.

يقظة الموت

تحميل البحث: يقظة الموت- الشيخ شفيق جرادي

يبقى الموت هو الظاهرة الأكثر تمرّداً على الإنسان والأعمق أثراً في نفسه، ويحاول الشيخ شفيق جرادي في هذه المقالة استجلاء حقيقة الموت من خلال طرح التساؤل عن ماهيّته وموعد بدء علاقة الإنسان به. ويعرض في سياق البحث حول الموت موقف عدد من فلاسفة الغرب والشرق مناقشاً هذه التأويلات عارضاً إيّاها على النصوص الدينيّة، ليخلص إلى أنّ الموت من المفاهيم التي يحوم العقل الإنسانيّ حولها ولكنّه لا يستطيع مقاربتها بالأدوات التجريبيّة المعروفة لديه، ومن هنا حاجته إلى الدين لفهم الموت، وتجاوز قلقه.

نهضويّة الفلسفة عند طه عبد الرحمن

تحميل البحث: نهضوية الفلسفة عند طه عبد الرحمن- الشيخ شفيق جرادي

يحمل طه عبد الرحمن مشروعه الفلسفيّ، وهو من لفتَته النهضة الدينيّة المعاصرة، فسعى إلى النتظير لها والتأسيس لبنائها خوفًا عليها من الفنتة والتلبيس.

وهكذا تتحوّل الفلسفة عند طه عبد الرحمن إلى منظّر للنهضة وموضوع لها في آنٍ معًا.

الحداثة وأولويات الوعي العربي – الإسلامي

تحميل البحث: وجهة نظر- الحداثة واولويات الوعي العربي- الاسلامي- الشيخ شفي

  ظلت فكرة الحداثة تعني الحاجة إلى موقف من الماضي، بغية التوصل إلى تحقيق الانقطاع عنه، إلى أن كان القرن التاسع عشر الذي تحرر من الروابط التاريخية..

لقد كان معنى الحداثة يتحدد بفعلها الزمني، وامتداداته في الآنات المتواصلة مع الحاضر كلحظة لتوليد المستقبل.. وبات المعنى تحايثاً مستمراً مع حركة الفعل في الوعي، والناتج الفني، والعلمي، والثقافي والفلسفي.. الذي يشكّل مظاهر التموضعات السياسية والاجتماعية…

وكل ذلك لا يخرج عن فهم ووعي خاص بالزمن بما هو توجه نحو الأمام، فهذه الحداثة إذن هي: نهاية الحاصل في الزمن الذي منه تصير لحظة الحاضر ماضياً يولِّد على الدوام مستقبلاً مفتوحاً على احتمالات تصادفية تخترق كل المعايير.