العدد 29

فهرس المحتويات:
الافتتاحية   مجلّة المحجّة
الفلسفة عند الأطفال
الأطفال والاشتغال الفلسفيّ    كارين موريس
العالم كما يفهمه الطفل مفهوم الحياة؟   جان بياجيه
ثلاثيّة العقل والتربية والجمال نحو الإحياء والتكامل    محمّد محسن علّيق
هل يمكن تعليم الفلسفة للأطفال؟    وفاء شعبان
تدريس الفلسفة للأطفال    زينة محمّد ناصر الدين
دراسة ونقد لبرنامج الفلسفة للأطفال من منظار الحكمة المتعالية     عليّ ستاري
تصدير أوّليّ حول المباحث المنطقيّة في فِنومِنولوجيا هوسرل     نادر البزري
الحبّ الإلهيّ قراءة في الأدبيّات الشيعيّة التأسيسيّة    الشيخ شفيق جرادي
إعادة النظر في المعرفة: “الأسلمة والمستقبل”     ميريل دافيس
مقاربة في شخصيّته وفكره    سهيل الحسيني

إفتتاحية العدد 29

إفتتاحية العدد 29

1.

هي الطفولة، إذًا، تأخذك إلى عالم آخر، غلى أفكار أخرى حبلى بالحياة: الحياة على سجيّتها الأولى. لكلّ منّا، كلّ الكلّ، في غسق ذاته الراشدة تكيّة يقبع فيها طفل ما، كان يرى إلى الوجود، بدهشة محيّرة. يضجّ فرحًا، تارةً، ويتألّم حزنًا أخرى، ويعرف، بل يوقن، إن شئت، معنى الحزن والفرح، كليهما، بإيعاز من مجسّاته التي، بها، يملك النفاذ إلى العالم.

وعليه، فالراشد هو من الطفولة بحيث لا يضيره لو بقيت ذاته الطفلة قابعةً هناك، في عمق وجدانه، تمتشقه، كلّ حين، نحو أصالته الأولى.

يعجز الطفل، في نظر بعض الفلاسفة عن إدراك الحقيقة، فهو يرى الوجود بحواسّه التي تأخذ في التطوّر بفعل من سيّاليّة الزمن والتجربة في آن. يطرح الأطفال أسئلة وجوديّة فلسفيّة، ميافيزيقيّة حتّى، ذلك أن عنصر الدهشة عندهم يشكّل ملاك وجودهم. هم ذات أصيلة، ورقة بيضاء، تسأل بصرافة، لا تعرف الانقطاع، عن كلّ ما تسبره الحواسّ.

ولمّا كانت الدهشة هي التي تولّد أسئلة الأطفال، يحاجج البعض أنّ الطفل غير قادر على الإبداع الفلسفي، أو على الحجاج. يطرح أسئلة عابرة، بنت اللحظة: لحظة دهشة، لا لحظة تأمّل. ولأنّ الفلسفة تتعدّى حدود السؤال إلى البحث عن إجابات، ولأنّ الفيلسوف يطرح الأسئلة على ذاته التي يمرّسها بذاك السؤال إيّاه، بعكس الطفل الذي يطرح أسئلته على غيره من الراشدين، لا يمكن اعتبار أسئلة الأطفال فلسفيّة، يعتقد البعض.

ولكن، ثمّ من يبرهن أنّ الأطفال قادرون على التفلسف والإبداع. إذ عندما يحجم الفيلسوف الراشد عن الدهشة، الناضجة ها هنا، تخفت جذوة فلسفته، ما يؤكّد أنّ خميرة الفلسفة تكمن في سؤال الدهشة الذي يطرحه الطفل.

لا نندب في هذا العدد، إلى معالجة الشرخ غيّاه، بل نترك الحكم للقارئ بتقديم قراءات عن كيفيّة فهم الأطفال لبعض الماورائيّات التي تحيط بهم. نلاحق أسئلة الأطفال، إذًا، لنفهم كيف ينظرون إلى العالم، وإلى الحياة، وكيف يقاربون الفلسفة، وكيف يرون إليها.

2.

تنظر كارين موريس K. Murris في مدى مقدور الأطفال على الضلوع بالاشتغال الفلسفيّ، مختطةً، من ثمّ، مؤثريّة هذا الاشتغال على الاشتغال الفلسفيّ عند الراشدين أنفسهم. ويقارب جان بياجيه J. Piaget مفهوم الحياة من منظار الطفل، مبيّنًا كيف يفهم الطفل الحياة من حيث هو غير راشد، ليلج، من ثمّ إلى مفهوم تشكّل الوعي عند الطفل، وكيف، بلحاظه، يغيّر مفهومه إلى الحياة بما هي هي.

أمّا محمّد علّيق، فيتأمّل في رمزيّة العقل والتربية والجمال التي، لترابطها، تصوغ ذات الطفل بطريقة تتجاوز البعد المعرفي العقليّ الملموس، لتمنحه تجربةً جماليّةً – عقليّة في آن. وتدعو وفاء شعبان، في ورقتها، إلى نقل الممارسة الفلسفيّة، مع الأطفال، من المحتوى إلى الطريقة، مقترحةً تحويل المعرفة المعلّمة إلى موضوع نقاش فلسفيّ محاكاة لمنهج سقراط.

وتقترح زينة ناصر الدين، بعد عرضها الشرخ الحاصل بين الطفل والفلسفة، باستقراء القصص التي تدمل ذاك الشرخ إيّاه. أمّا على ستاري، فيجعل مقابلةً ما بين برنامج الفلسفة للأطفال، الذي طوّره ماثيو ليبمان، وبين تعاليم مدرسة الحكمة المتعالية التي بسط لها الملّا صدرا.

ويشتمل باب “دراسات وأبحاث” في هذا العدد على ثلاث دراسات. يصدّر، نادر البزري في الدراسة الأولى، للمباحث المنطقيّة في فِنومنولوجيا هوسرل مستفيدًا من مقدّرات اللغة العربيّة. ويطالع شفيق جرادي، في الدراسة الثانية، مفهوم الحبّ الإلهيّ في الأدبيّات الشيعيّة التأسيسيّة، مبيّنًا محوريّة الحبّ في المنظومة الشيعيّة. ومع ميريل دافيس، نلج إلى مبحث أسلمة العلوم الإنسانيّة من حيث هو سعي إلى إيجاد موفّقيّة بين نظرتين للعلوم، إحداها ذات نزعة غربيّة، وأخراها تلحظ ما قدّمته الحضارة الإسلاميّة.

وفي باب “حكماء”، نقارب سيرة الخواجة نصير الدين الطوسي، مقدّمين قراءةً تبسط لشخصيّته وفكره.

والله وليّ التوفيق

مقاربة في شخصيّته وفكره

انتفض الخواجة نصير الدين الطوسي على ما كان سائدًا، فكريًّا، في عصره، داعيًا إلى تجديد إن في المنظومة الكلاميّة الشيعيّة، أو في المسائل الفلسفيّة، أو في المباحث العرفانيّة، فحظي، إذ ذاك، بموفّقيّة خاصّة، يكمن جلّها في (1) إعادة إحياء الدرس الفلسفيّ، و(2) إدخال البرهان الفلسفيّ إلى المنظومة الكلاميّة، و(3) ضبط المصطلح الكلاميّ على أساس فلسفيّ. أمّا في المباحث العرفانيّة فقد اختطّ الطوسي أغراض الرياضة الروحيّة، بما هو مغاير عن سابقيه، من مثيل ابن سينا، معتبرًا أنّ هذه الرياضة تمهّد لمراحل السير والسلوك هي بمراتب من التنوّع مختلفة، توصل السالك إلى “تلقّي فيض الحقّ”.

إعادة النظر في المعرفة: “الأسلمة والمستقبل”

ترجمة ديما المعلّم

يشكّل نقاش أسلمة المعرفة حيّزًا محوريًّا بلحاظ آفاق المسلمين المستقبليّة، إذ يركّز هذا النقاش، أكثر ما يركّز، على طبيعة الهويّة الإسلاميّة، والحداثة، وطرق التفكير في الواقع الإسلاميّ، حاضرًا ومستقبلًا. ولكن قد تداخلت في هذا النقاش، عينه، عوامل أدّت إلى تهميش الهويّة الإسلاميّة بالنسبة إلى المشاركين فيه وإلى مراقبيه على حدّ سواء. أمّا هذا المقال، فهو ينظر إلى الأسلمة على أنّها مشروع حضاريّ (1) مرجعه القرآن، و(2) قوامه إعادة النظر في المعرفة. كما يحلّل المقاربات المؤسّساتيّة والمفاهيميّة المعتمَدة. وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ عمليّة إنشاء فروع معرفيّة جديدة، في إطار الأسلمة، هي ثلاثيّة الأطراف، ترتكز على (1) الكلّانيّة، و(2) محوريّة المجازفة والشكّ، و(3) الاعتراف بالجهل. ثمّ إنّ الأسلمة تنطوي على نقد الحضارة الغربيّة، ما يجعلها تبدو ذات نزعة رفضيّة، لكنّ هدفها، في الحقيقة، ليس إلّا التوفيق بين نظرتَين مختلفتَين. ويعدّ خطاب الأسلمة، راهنًا، تنظيريًّا، فالتطبيق يحتاج إلى ممارسة وجهد، كليهما.

الحبّ الإلهيّ قراءة في الأدبيّات الشيعيّة التأسيسيّة

إن الحبّ إلّا عضد العلاقة التي تجمع الإنسان بمصدره الذي هو الله. وقد بسطت الأدبيّات الإسلاميّة لمحوريّة مبحث الحبّ من حيث هو منهج سلوكيّ يؤكّد أن لا بدّ لأيّ منظومة، معرفيّة وعملانيّة، من مرتكز فلسفيّ مِتافيزيقيّ، ورؤية دينيّة تأسيسيّة. يمثّل الحبّ تمام الحقيقة الإلهيّة في ذاتها وروابطها وتجلّياتها، وهو، في مِتافيزيقا الفلسفة الإسلاميّة، يمثّل صنو الحياة الذي يسري في كينونة كلّ موجود بجدل من العشق والشوق.

تصدير أوّليّ حول المباحث المنطقيّة في فِنومِنولوجيا هوسرل

شكّلت ترجمة كتاب مباحث منطقيّة، لإدموند هوسرل، إلى لغة الضادّ أثرًا، لا يُستهان به، على الاشتغال الفلسفيّ العربيّ. يبسط هذا البحث، مستفيدًا من مقدّرات اللغة العربيّة، لعناصر الفكر الفلسفيّ الفِنومِنولوجيّ، كما وضعه هوسرل. طمح هوسرل إلى تأسيس قواعد للمعرفة، متّخذًا من الفِنومِنولوجيا ملاكًا لذلك، من أجل أن تصبح علمًا قبليًّا لا علمًا أمبيريًّا أو تجريبيًّا وقائعيًّا فحسب؛ على غرار بعض مدارس الفكر الفلسفيّ العربيّ الكلاسيكيّ التي أكّدت على أسبقيّة الماهيّة وأصالتها بدلًا من أسبقيّة الوجود العينيّ الخارجيّ الوقائعيّ وأصالته.

دراسة ونقد لبرنامج الفلسفة للأطفال من منظار الحكمة المتعالية

ترجمة عزّة فرحات

يروم هذا المقال إلى دراسة برنامج الفلسفة للأطفال من منظار تعاليم مدرسة الحكمة المتعالية. ويدور رحى البحث حول السؤال الأساس الآتي: ما هي المباني الفلسفيّة لبرنامج الفلسفة للأطفال؟ وما هي الانتقادات التي توجّه إليه بحسب المدرسة إيّاها؟ ثمّة شواهد على وجود وجوه اتّفاق واختلاف بين برنامج الفلسفة للأطفال والمباني الفلسفيّة للمدرسة الصدرائيّة، وإذ ذاك، سنختطّ وجوه الاختلاف والاتّفاق هذه، لنفصح، تاليًا، عن الفوائد التي يمكن سبرها من هكذا برنامج على غير صعيد.

تدريس الفلسفة للأطفال

وكأن ثمّة جسر يباعد ما بين الأطفال والفلسفة، ولا يجمع هذين الكيانين المتباعدين سوى القصّة الفلسفيّة التي تنبني، أكثر ما تنبني، على طرح مبحث فلسفيّ مبسّط، على نسق سؤال يجرّ أسئلة هي من التعدّد والاختلاف بمكان. تمتاز هذه القصص الفلسفيّة، التي تدخل في قلب برنامج الفلسفة للأطفال التعليميّ بالحوارات التي تطرحها، فتصيّر الصفّ مجتمعًا بحثيًّا، يحترم فيه كلّ فرد الآخر. ويكتسب الأطفال بذلك أهمّ الأفكار الفلسفيّة، بعيدًا عن التلقين المحض.

هل يمكن تعليم الفلسفة للأطفال؟

يؤمن الفلاسفة اليونانيّون، وفي مقدّمتهم، أفلاطون، بأن ثمّة شروطًا صعبةً لتعليم الفلسفة، إذ يضطلع بها من بلغ سنّ الرشد حكرًا، ممّن راكم معرفةً. ولكن مع كانط، الذي ميّز بين الفلسفة والتفلسف، اتّخذت طريقة فهم الفلسفة منحًى آخر. فسهّل المنظور الكانطيّ إمكانيّة نقل الممارسة الفلسفيّة من المحتوى إلى الطريقة، وهذه الطريقة، إيّاها، هي القابلة للتعلّم للأطفال، ما إن يطرحوا أسئلة اللماذا أو الما هو، فيعمد المعلّم إلى تحويل المعرفة المعلّمة إلى موضوع نقاش فلسفيّ، مفتتحًا ذلك بسؤال، محاكاةً للمنهج السقراطيّ.

ثلاثيّة العقل والتربية والجمال نحو الإحياء والتكامل

لئن كانت العلوم التجريبيّة، منذ زمن، نقطة انطلاق للتربية والتعليم بلحاظ المفاعيل التي تفرضها، على الكبار كما الناشئة، فإنّ التجربة الجماليّة بدأت مؤخّرًا تفرض مفاعليها من حيث هي زخم يزوّد الناشئة بمصادر معرفيّة كبرى تتجاوز البعد الملموس الضيّق. وبالتالي، يتجاوز الطفل، بهذه التربية، المحدوديّة التي تفرضها العلوم التجريبيّة، التي لا مناص منها، لينطلق، من ثمّ، بإزاء التجريبيّة، إلى تجربة جماليّة – عقليّة في آن.